بحث متقدم
الزيارة
6200
محدثة عن: 2007/08/21
خلاصة السؤال
ما المراد من الایات التی تنفی مسؤولیة النبی عن ایمان الناس؟
السؤال
فی المواطن التی خاطب الله فیها رسوله الکریم إنک لست مسؤولاً عن إیمان الناس و ... ألا تتنافى هذه الموارد مع القول بالأمر المعروف و النهی عن المنکر و مسألة الجهاد الابتدائی؟
الجواب الإجمالي

ینظر الإسلام إلى الجهاد سواء کان ابتدائیاً أو غیر ابتدائی الى إنه یمثل إحیاء حق الإنسانیة و حق التوحید الذی یعتبر حقاً إنسانیاً أیضاً، فالتوحید هو أنفس ما تتغذى به الفطرة الإنسانیة، و قد جوز الإسلام الجهاد دفاعاً عن مثل هذا الحق الثمین، و إن الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر یندرج فی هذا السیاق، و لذلک فإن المسلمین مکلفون بالسعی و الکفاح من أجل نجاة الناس من ربقة الجهل و الضلال و الظلم و کل تبعاتها، و أن لا یقتصر همهم و تفکیرهم على أنفسهم و حسب، و یجب علیهم أن یستعینوا بالأسباب و الوسائل الطبیعیة الممکنة لتحقیق هذا الهدف المقدس، و إذا خاطب الله نبیه من خلال الآیات القرآنیة بما یدل على أنه غیر مسؤول عن إیمان الناس، فذلک یعنی أن الإیمان أمر قلبی و حالة روحیة لا یقبل و لا یحتمل الإجبار و الإکراه، و إن تکلیف النبی و وظیفته فی حدود بذل الجهد و الاجتهاد فی طریق هدایة الناس و إقناعهم بالإسلام و الإیمان، و لیس له أن یکون (مفتشاً) عن عقائد الناس، أو یلوم نفسه و یبخعها على عدم إیمان الناس و سلوکهم طریق الهدایة.

الجواب التفصيلي

إن الجواب الصحیح عن السؤال المتقدم یکون میسراً فی إطار فهم المعرفة الکاملة و التصور الصحیح لمسألة الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر و مسألة الجهاد الابتدائی.

إن الجهاد و القتال فی الإسلام اعتبر من المسائل الحیاتیة بالنسبة إلى المؤمنین[1] أی أن القتال سواء کان دفاعاً عن الإسلام أو المسلمین أو کان ابتدائیاً، ففی کل الأحوال یکون من أجل الدفاع عن حق الإنسانیة فی حیاتها، لأن الشرک بالله یمثل هلاک الإنسانیة، و یتبعه موت الفطرة و اضمحلالها، إن التوحید و القوانین الدینیة الأخرى من أهم الحقوق الإنسانیة، و هذا أثبت فی محله، و قد أجاز الإسلام الجهاد لتطهیر الأرض من مطلق الشرک و مثل هذا الحکم هو حکم دفاعی فی واقعه، إنه دفاع عن حق الإنسانیة. و إذا کان إحیاء الإنسانیة متوقفاً على هذه المسألة و إنه حق مشروع بعد إقامة الحجة و استنفاد الوسائل، فهل إن هذا من قبیل الإکراه فی نظر العقل و العقلاء، و یحکم علیه بالقبح؟![2]

و أما ما یخص الأمر بالمعروف و النهی عن المنکر: من الواجب على کل مسلم أن یدعو الناس إلى الله، و أن یسعى و یجد فی خلاص الناس من ظلمات الجهل و تیه الضلال و الضیاع و اجتراح الذنوب و المعاصی.[3]

إذا کنت ترى الهوة و الأعمى

و لم تنهض لإنقاذه فذلک عصیان

و لابد من الاستعانة بالأسباب العادیة و الوسائل المعروفة و إیکال المسببات إلى الله (إلیه یرجع الأمر) أی إن الإنسان لا یجب علیه أن یلقی بنفسه فی التهلکة لإنقاذ الآخرین منها، و إذا لم یقصر فی هدایة العباد و إنقاذهم، فلا مؤاخذة علیه إذا انحرفوا و ضلوا الطریق، «لا یَضُرُّکُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَیْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُکُمْ»،[4] و خاطب سبحانه نبیه: «لَعَلَّکَ بَاخِعٌ نَفْسَکَ أَلاَّ یَکُونُوا مُؤْمِنِینَ».[5]

و من جانب آخر فإن الاعتقاد و الدین من الأمور القلبیة التی لا تقبل الإکراه و الإجبار، نعم للإجبار و الإکراه أثر بالنسبة للأمور الظاهریة و الحرکات الجسمیة، و أما بالنسبة للاعتقاد القلبی فلابد من البحث عن علل و أسباب أخرى[6]، و لذلک یخاطب القرآن النبی الأکرم (ص): «فَذَکِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَکِّرٌ * لَسْتَ عَلَیْهِمْ بِمُصَیْطِرٍ»،[7] فأنت مذکر فقط و لیس لک أن تکره الناس على الإیمان.[8]

إذن فالمستفاد من الآیات المتقدمة الآتی:

لیس الجهاد من أجل بسط الدین و نشره بالإکراه و الإجبار، بل من أجل إحیاء حق الإنسانیة و الدفاع عن عقیدة التوحید، و التوحید من أنفس ما یغذی الفطرة، و أما بعد بسط التوحید و تفشیه بین الناس، و خضوعهم لدین النبوة، الیهودیة أو النصرانیة، فلا یبقى محل للنزاع بین المسلمین و الموحدین.

و إن خطاب الله موجه إلى نبیه و الذی یقول فیه إنک لست مسؤولاً عن إیمان الناس، فلیس معنى ذلک أنک غیر مکلف بالأمر بالمعروف و النهی عن المنکر و السعی فی هدایة الناس عن هذا الطریق و الجهاد فی هذا السبیل، بل المعنى أنک مأمور بالتکلیف و غیر مسؤول عن النتیجة، أی أن الهدایة أمر قلبی، لا یخضع لسلطتک، و من الأفضل أن تترک هذا الأمر لنا.



[1] الأنفال الآیة، 24.

[2] انظر: المیزان، ج2، ص66-71.

[3] الأعراف، 75؛ آل عمران، 104 و 114؛ التوبة، 67 و 71؛ الأنبیاء، 73؛ یوسف، 108.

[4] المائدة، 105 و 134 من سورة البقرة، «تِلْکَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا کَسَبَتْ وَ لَکُمْ مَا کَسَبْتُمْ وَ لا تُسْأَلونَ عَمَّا کَانُوا یَعْمَلُونَ».

[5] الشعراء، 3، أو سورة الکهف، 6 «فَلَعَلَّکَ بَاخِعٌ نَفْسَکَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ یُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِیثِ أَسَفاً».

[6] انظر: المیزان، ج2، ص342-343.

[7] الغاشیة، 22.

[8] انظر: المیزان، ج6، ص162-165.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    268760 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    200467 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    114481 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    103914 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    78702 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    51439 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    51233 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    43141 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    40388 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    39945 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...