بحث متقدم
الزيارة
86
محدثة عن: 2015/10/25
خلاصة السؤال
اذا کان الاسلام دین الملاطفة و المودة، فما المعنی من وجود آیات فی القرآن تنطق عن العنف؟!
السؤال
اذا کان الاسلام دین الملاطفة و المودة، و انّ الله ارحم الراحمین، فلماذا توجد آيات كثيرة في القرآن حول الحرب و قتل الكفار؟!
الجواب الإجمالي

الاسلام دین العفو و الملاطفة و انّ النبی(ص) ایضا کان مأمورا بالعفو و الصفح فی التعامل مع الناس؛ لانّ الله قد امره بذالک: «خذ العفو و أمر بالعرف».[i] مع ذلک انّ هذا العفو یسري طالما یلتزم المعارضون بأبسط الحقوق الإنسانية و الأخلاقية. و لکن عندما استغل الکفار و المشرکون رحمة النبي(ص) و لطفه و بعد ما قاموا باضطهاد المسلمین و محاربتهم، فمن البدیهی أنّ العقل يحکم فی هذه الحالة بوجوب القیام ضد ظلم الظالمين و اعتدائهم، و الدفاع عن حقوق المظلومین. فإذا كانت هناك آيات في القرآن الكريم تنبعث منها رائحة العنف، فانّ جمیعها فی سیاق الدفاع عن المظلومین و المضطهدین مقابل الظالمین و المعتدین علی حقوق الناس. اولئک الذين استغلوا الرأفة و الشفقة الإسلامية و لم يلتزموا بالعهود التي عقدوها مع المسلمین.

 


[i]. الأعراف، 199.

الجواب التفصيلي

انّ اساس دین الاسلام دعوة الناس الی التوحید. و في هذا الصدد، كان نبي الإسلام(ص) مأمورا بتبلیغ التعاليم الإلهية إلى الناس. فکانت هذه المهمة من طریق دعوتهم بالحجج المنطقیة و لابالحرب و العنف. یقول القرآن کریم فی هذا الصدد: «ادْعُ إِلى‏ سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ».[1] «قُلْ هذِهِ سَبيلي‏ أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى‏ بَصيرَة».[2]

و في الأساس، لم يفرض أيّ نبيّ دينه على الناس. كان الأنبياء مسؤولين عن ایصال التعاليم الإلهية إلى الناس، لاإجبارهم علیها. كما انّ صریح آيات القرآن تدلّ علی هذا الأمر. فيما يلي نشیر الی بعض النماذج من تلک الآیات:

  1. «...وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبينُ».[3]
  2. «...وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون».[4]

 اذا تأمّل الانسان فی هذه الآیة بدقة سوف یدرک ان قبول دعوة النبی(ص) مصحوب بالتعقل و التفکر و لیس ذالک بالقوة و القهر. النکتة البارزة في هذه الآية هي أنّ القرآن يقول "یتفكرون"، و لايقول "لعلّهم یستسلمون" أو "یطيعون". لذلك کان النبی(ص) مأمورا بابلاغ مضمون رسالته الی الناس حتی يقبلها الناس بتفكیرهم و تعقّلهم.

  1. «إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبيلَ إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً».[5]

بالنظر الی هذه الطريقة السلمية لنشر الدين، استجاب العديد من الناس الباحثين عن الحق و الحقيقة و الذین ملّو من الجهل و الشرك، للنداء السماوي لنبي الإسلام(ص)، فلبّوا دعوة الحق و اعتنقوا الإسلام.

من البدیهی انّ هذه التعالیم تتعارض مع مصالح الکفار و المتغطرسین و الظالمین. لذلک قاموا بمعارضة النبی(ص) و المسلمین و اضطهدوهم و فرضوا علیهم حروبا کثیرة. عندئذ أمر الله بالدفاع عن أتباع دین الاسلام، و سمح للمسلمين بالدفاع عن أنفسهم ضد اعتداء الظالمين. ببیان آخر، انّ الجهاد في الإسلام فی الحقیقة هو لاجل الدفاع عن المظلومين و المضطهدین. بمعنی انّه اذا رأینا اشخاصا یتعرضون للظم و الاضطهاد، ینبغی ان یدافع عن حقوقهم. کما یقول القرآن الکریم: «وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ في‏ سَبيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ الَّذينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَ اجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصيرا؟».[6]

بناءاً علی هذه الأیة، انّ واجب لنبی الاسلام(ص) دعم المسلمین و الدفاع عنهم فی مقابل الظالمین؛ لانه سبحانه و تعالی یقول فی هذه الآیة: «وَ ما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ في‏ سَبيلِ اللَّهِ وَ الْمُسْتَضْعَفينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ»؟! لذلك، انّ الجهاد في الإسلام هو الدفاع عن المظلومين و المستضعفين. و هو حق إنساني و أخلاقي للمسلمين فی أن یقوموا ضد الظالمين و المعتدين لإنقاذ المظلومين، و هذا الحق الانسانی، منطقي و مقبول. و فی هذا الصدد یقول القرآن الکریم: «أُذِنَ لِلَّذِینَ یُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا».[7]

انّ هذه الآیة تسمح للمسلمین بان یقوموا بالجهاد عندما یتعرضون للظلم و الاعتداء. النکتة الدقیقة فی هذه الآیة هی کلمة «اُذِنَ»؛ أي أنه، يُسمح للمسلمين بالدفاع عن أنفسهم عندما یتعرضون للظلم و الاضطهاد، لایعنی انهم، امروا بالجهاد.

ففی المجتمع الذی لایملک الناس فیه الحق فی اختیار الدین. و یتم تعذیبهم و ایذائهم بسبب اعتناقهم الدین الّذی قد اختاروه بناءاً علی فکرهم و رأیهم. هل السماح فی الدفاع یعنی العنف؟!

مع ذالک انّ هذه الآیه مجرد رخصة فی الدفاع، لا انّها الزاما و وجوبا فیه؛ یعنی ایّها الناس انّه یحق لکم الدفاع عن انفسکم فی مقابل الظلم. کما انّ هذا الترخیص ایضا یرتبط بعنوان الظلم: «بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا».

اذا امعنا النظر جیدا فی هذه الآیة، نجد انّ قضیة ایمان الکفار او اجبارهم علی الایمان لم ‌تکن مطروحة فیها علی الاطلاق، بل لانهم کانوا یظلمون المسلمین، فاُذن للمسلمین ان یدافعوا عن انفسم فی مقابل الظلم.

آية أخرى یجب التأمل فیها في هذا السیاق هي: «فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَیْکُمْ فَاعْتَدُوا عَلَیْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَیْکُمْ ۚوَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِینَ»؛[8]

هذا یعنی انّه اذا اعتدوا علیکم قوموا بالرد علیهم، لکن بقدر ذلک الاعتداء و لاازید منه.

تبین هذه الآية، أولاً: أنّ هذا الترخیص یدخل في نطاق الدفاع. ثانياً: في النطاق نفسه يجب مراعاة التناسب بين الاعتداء و رد فعله.

انّ هذا المعنی قد ذکر بوضوح فی آیات اخری. حیث یقول: اذا استسلموا و توقفوا عن الفتنة فاترکوهم: «وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْعَليم‏».[9]

«وَ قاتِلُوا فِی سَبِیلِ اللَّهِ الَّذِینَ یُقاتِلُونَکُمْ وَ لا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا یُحِبُّ الْمُعْتَدِینَ».[10] فقیّد «الَّذِینَ یُقاتِلُونَکُمْ» فی الآیة الکریمة، یعنی انّ دلیل الإذن فی القتال و جوازه هو تصرفات العدو و سلوکه العدوانی و العنیف، لاشیء آخر.

هذه نماذج تبين لنا أن حروب نبي الإسلام(ص)، أولاً: لم‌ تکن بسبب شرک الطرف المقابل او عدم اسلامه، یعنی انّه لم یقاتلهم بسبب معتقداتهم، بل کان ذلک لاجل تصرفاتهم الظالمة، لانّ المشرکین کانوا یؤذون المسلمین، و یفرضون علیهم الحروب؛ فلذا کان المسلمون یقومون بالدفاع عن انفسهم ضدهم.

ثانیا: بصرف النظر عن الطبيعة الدفاعية لحروب نبي الإسلام(ص)، فإنّ النکتة المهمة هي أنّ هذه الدفاعات كانت في نطاق الأخلاق تمامًا. ای انّهم کانوا یدافعون عن انفسهم بقدر ما تقتضیة الضرورة،  و لم يفعلوا أيِ شيء غير أخلاقي و قائم على اساس الغضب و الانتقام، لأنّ الإسلام علم أتباعه، بان أولئك الذين لديهم حياة سلمية معكم، عاملوهم باللطف و الوفاء: «لايَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطين».[11]

و كان نبي الإسلام(ص) أيضاً منادیا بهذا الشعار: «وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّميعُ الْعَليم‏».[12] لذلك، فانّ دين الإسلام لم یأمر، في أيّ من تعاليمه، بالعنف و الانتقام في البداية. العنف و الانتقام انّما یکون حيث لايلتزم العدو بأي من القوانين و الواجبات الإنسانية و الاجتماعية و یسعی الی تدمیر اساس الاسلام. فهنا یأتی دور العمل بهذا الامر: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّار»،[13] و الّا فانّ النبی(ص) کان مأمورا بالعفو و المداراة و لم یکن العنف علی جدول اعماله: «خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلين».[14] 

و فی النهایة، بالنظر الی هذه الآیة و العشرات من الآیات المشابهة، نجد انّ القرآن الکریم لم یأمر بقتل الکفار بسبب معتقداتهم أبدا.

 


[1]. النحل، 125.

[2]. یوسف، 108.

[3]. النور، 54؛ عنکبوت، 18.

[4]. نحل، 44.

[5]. انسان، 3.

[6]. نساء، ۷۵.

[7]. حج، 39.

[8]. بقره، ۱۹۴.

[9]. انفال، ۶۱.

[10]. بقره، ۱۹۰.

[11]. ممتحنه، 8.

[12]. انفال، ۶۱.

[13]. فتح، 29.

[14]. اعراف، 199.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    260599 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    114372 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    102706 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    100371 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    46087 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    43187 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    41531 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    36773 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    35000 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    33113 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...