بحث متقدم
الزيارة
4800
محدثة عن: 2008/02/18
خلاصة السؤال
هل یمکن الاعتماد على الاستخارة و التفؤل بالکتاب فی موارد الحیرة؟
السؤال
هل یمکن الاعتماد على الاستخارة و التفؤل بالکتاب فی موارد الحیرة للاجابة عن الامور التی تقلق الانسان و الاسئلة التی تحیره؟
الجواب الإجمالي

ان الاسلام یرى ان الدور الاساسی یقع على عاتق العقل فی موارد التصمیم و اتخاذ القرار و ینبغی اعتماد القدرات الفکریة لدى الانسان لحل ما یواجهه من المشاکل، و فی القضایا التی یعجز الانسان فیها من الحل و تخونه قواه العقلیة و الفکریة فی وضع الحلول المناسبة، ینبغی علیه ان یعتمد اسلوب الاستشارة، فان الاستشارة ترشد العقل الى معرفة الحقیقة و الفکر الشفاف لان الاستشارة تعنی الاستعانة بعقول الآخرین و تجاربهم و علومهم.

ان الانسان اذا ما استفاد من قواه و ادراکاته العقلیة او اعتمد الاسلوب الثانی و هو الاستشارة و الاستعانة بعقول الاخرین و مع هذا بقی فی نفسه نوع من التردد و الحیرة ففی مثل هذه الحالة یرشده کل من العقل و الشرع للقیام بمشورة اخرى و هی استشارة الله العلیم و الرؤوف الذی یرید صلاح الانسان و خیره. هذه الاستشارة یعبر عنها فی الثقافة الاسلامیة بـ"الاستخارة" فان الاستخارة تعنی طلب الخیر و الاحسن.

الجواب التفصيلي

لکی تتضح الاجابة بصورة افضل ینبغی الاشارة الى بعض النقاط حول الاستخارة و مکانتها فی الفکر الاسلامی:

ان التصمیم و اتخاذ القرار فی حیاة الانسان یقع على عاتق العقل الذی یمثل الحجة الباطنیة على الانسان، ان الاسلام ینظر الى العقل باعتباره نعمة کبیرة منحها الله بسخاء تام للانسان، و ان الانسان باستهدائه بنور العقل یمکنه ان یبدد ظلمة الطریق و ان یطوی المسیر بیسر و امان متجاوزا المشاکل و المخاطر التی تعترض طریقه.

و لقد اولى القرآن الکریم العقل اهمیة کبیرة و اوصى باعتماده فی موارد کثیرة معتبراً ان اخس الناس من لایستفید من نعمة العقل:" إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُکْمُ الَّذینَ لا یَعْقِلُونَ".[1]

کما اعتبر الامام علی (ع) ان المهمة الکبرى و الاساسیة و العلة الرئیسیة لبعثة الانبیاء تتمثل فی استثارة دفائن العقول حیث قال (ع): "وَ وَاتَرَ إِلَیْهِمْ أَنْبِیَاءَهُ لِیَسْتَأْدُوهُمْ مِیثَاقَ فِطْرَتِهِ وَ یُذَکِّرُوهُمْ مَنْسِیَّ نِعْمَتِهِ وَ یَحْتَجُّوا عَلَیْهِمْ بِالتَّبْلِیغِ وَ یُثِیرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُول‏".[2] و لقد کانت الاستفادة من شعاع العقل الساطع بدرجة من الاهمیة فی الشرع الاسلامی بحیث عد العقل احد مصادر التشریع و استنباط الاحکام الشرعیة.

کما تمت الاشارة و التأکید فی الفکر الاسلامی على المصادر الاخرى التی تکون عونا للعقل فی اکتشاف الحقیقة و فی حصول الشفافیة و نجاح عملیة التفکیر، و من اهم تلک الاسالیب التی تم التاکید علیها هی قضیة" الاستشارة" فان الاستشارة هی فی الحقیقة بمثابة التفکیر الجماعی التی یمکن من خلالها حل الکثیر من العقد و فک الطلاسم التی یعجز عنها العقل الفردی و من هنا تاتی الاستشارة لتجبر- و بمقدار ما – النقص الموجود فی العقل الفردی لیحصل من خلالها المستشیر على الکثیر من المعلومات و التجارب التی حصل علیها اصحابها من خلال فترة طویلة من العمر و یمنحونها للمستشیر للاستفادة منها و الاستنارة بها.

و لکن یحصل - کثیراً- ان الانسان بالرغم من اعتماده العقل من جهة و الاستشارة من جهة ثانیة الا انه یبقى فی نفسه نوع من الشک و التردد، و هنا یشیر علیه کل من العقل و الشرع الى اعتماد وسیلة اخرى و اسلوب آخر و هو الاستشارة من نوع ثان المتمثلة باستشارة العقل الکلی اللامتناهی المطلع على خفایا الامور و دقائقها و الذی یعرف خیر الانسان و صلاحه، هذا النوع من الاستشارة اطلق علیه فی الثقافة الاسلامیة بـ" الاستخارة"، ان الاستخارة تعنی طلب الخیر و طلب افضل الخیارین[3] من هنا تکون العلاقة طردیة بین صفاء النفس و طهارة الباطن و بین اصابة الخیر و تکون مخالفة الاستشارة حینئذ ذات عواقب مشکلة بل قد تکون غیر ممکنة.

و الجدیر بالذکر انه قد ذکر للاستخارة معنیان، احدهما المعنى الحقیقی للاستشارة و الذی ذکر فی الاحادیث و الروایات بان الاستخارة بمعنى طلب الخیر من الله، و هذا النوع من الاستخارة یکون فی الحقیقة احد مصادیق الدعاء و فروعه و لایختص بمورد الشک و التردد، بل هی فی الواقع طلب المدد من الله تعالى فی جمیع الافعال و الحرکات و تفویض الامر الیه سبحانه، من هنا ورد عن الامام الصادق (ع): "من شقاء عبدی ان یعمل الاعمال و لا یستخیرنی"[4]، اذا طبقا لهذه الروایات الکثیرة لایختص هذا النوع من الاستخارة برفع التحیر و التردد، بل هی اسلوب یعتمده الانسان فی جمیع مراحل العمل و هو اسلوب امثل و طریق اکمل.

المعنى الثانی للاستخارة هو طلب الخیر من الله لحل و رفع التحیر و التردد فی بعض الامور التی یواجهها الانسان، فهی خاصة بموارد الشک و التردد.

ویمکن القول فی مجال بیان مکانة هذا النوع من الاستخارة فی الفکر الاسلامی، انه یمکن الاشارة الى ثلاث نظریات:

الرؤیة الاولى: اعتماد الاستخارة من اوّل الامر و من دون ای اعمال للعقل و التامل و مشورة الآخرین. و بعبارة اخرى اعتماد الاستخارة کاسلوب وحید و منحصر فی حل المشاکل بلا ضم ای اسلوب آخر.

الرؤیة الثانیة: تتمثل فی انکار الاستخارة اساسا و بصورة مطلقة و اعتماد العقل کاسلوب منحصر و فرید فی حل المشاکل.

الرؤیة الثالثة: هی الرؤیة التی فی الوقت الذی تعترف فیه بمنزلة العقل و دور الاستشارة و مشارکة الناس عقولهم، فی نفس الوقت تعتمد الاستخارة و طلب الخیر من الله تعالى، و لا یوجد محذور شرعی فی هذا النوع من الاستخارة لان الاستخارة انما هی تعین فی اختیار الطریق المراد من بین الطرق المترددة، فهی لاتحلل حراما و لاتحرم حلالا و لا تغیر حکما من احکام الله تعالى، و ان اقصى ما تقوم به هی اخراج العبد من حالة الشک و التردد التی یصاب بها، ثم ان الاستخارة لا تشیر الى ما یصیب العبد و ما یترتب على ترکه للعمل بالاستخارة.

و لقد ورد فی الروایات الکثیرة اسلوب الاستخارة و طریقتها.[5]

على هذا الاساس ان الانسان اذا اعمل عقله و استشار الآخرین من المختصین و العارفین لکنه مع ذلک لم یخرج من حالة الشک و التردد یمکنه حینئذ استشارة الله تعالى و اتخاذ القرار النهائی و الخروج من حالة الشک و الریبة.

اما بالنسبة الى "سر فتح الکتاب" فان کان المراد منه الاستخارة فقد اتضح حکمه و ان کان المراد شیء آخر فلا دلیل علیه.



[1] الانفال، 22.

[2] نهج البلاغة، الخطبة الاولى.

[3] فرهنگ معین "معجم معین"، مادة خیر.

[4] وسائل‏الشیعة، ج 8، ص 79.

[5] بحار الانوار، ج 91، ص 222؛ وسائل الشیعة، باب الاستخارة.

س ترجمات بلغات أخرى
التعليقات
عدد التعليقات 0
يرجى إدخال القيمة
مثال : Yourname@YourDomane.ext
يرجى إدخال القيمة
يرجى إدخال القيمة

التصنیف الموضوعی

أسئلة عشوائية

الأكثر مشاهدة

  • ما هي أحكام و شروط العقيقة و مستحباتها؟
    265585 العملیة
    العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود يوم أسبوعه، و الافضل ان تكون من الضأن، و يجزي البقر و الابل عنها. كذلك من الافضل تساوي جنس الحيوانات المذبوح مع المولود المعق عنه في الذكورة و الانوثة، و يجزي عدم المماثلة، و الافضل أيضاً أن تجتمع فيها شرائط ...
  • كيف تتم الإستخارة بالقرآن الكريم؟ و كيف ندرك مدلول الآيات أثناء الإستخارة؟
    178671 التفسیر
    1. من أشهر الإستخارات الرائجة في الوسط المتشرعي الإستخارة بالقرآن الكريم، و التي تتم بطرق مختلفة، منها: الطريقة الأولى: إِذا أَردت أَنْ تَتَفَأَّلَ بكتاب اللَّه عزَّ و جلَّ فاقرأْ سورةَ الإِخلاص ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ صلِّ على النَّبيِّ و آله ثلاثاً ثمَّ قل: "اللَّهُمَّ تفأَّلتُ بكتابكَ و توكّلتُ عليكَ ...
  • ماهي أسباب سوء الظن؟ و ما هي طرق علاجه؟
    108755 العملیة
    يطلق في تعاليمنا الدينية علی الشخص الذي يظن بالآخرين سوءً، سيء الظن، و من هنا نحاول دراسة هذه الصفه بما جاء في النصوص الإسلامية. فسوء الظن و سوء التخيّل بمعنى الخيال و الفكر السيء نسبة لشخص ما. و بعبارة أخرى، سيء الظن، هو الإنسان الذي يتخيّل و ...
  • كم مرّة ورد إسم النبي (ص) في القرآن؟ و ما هو السبب؟
    102647 علوم القرآن
    ورد إسم النبي محمد (ص) أربع مرّات في القرآن الکریم، و في السور الآتية: 1ـ آل عمران، الآية 144: "وَ مَا محُمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِيْن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلىَ أَعْقَابِكُمْ وَ مَن يَنقَلِبْ عَلىَ‏ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضرُّ اللَّهَ ...
  • ما الحكمة من وجود العادة الشهرية عند النساء؟
    71283 التفسیر
    إن منشأ دم الحيض مرتبط باحتقان عروق الرحم و تقشّر مخاطه ما يؤدي إلى نزيف الدم. إن نزيف دم الحيض و العادة النسوية مقتضى عمل أجهزة المرأة السالمة، و إن خروجه بالرغم من الألم و الأذى و المعاناة التي تعاني منها المرأة يمثل أحد ألطاف الله الرحيم ...
  • لماذا يستجاب الدعاء أكثر عند نزول المطر؟
    49364 الفلسفة الاخلاق
    وقت نزول الأمطار من الأزمنة التي يوصى عندها بالدعاء، أما الدليل العام على ذلك فهو كما جاء في الآيات و الروايات، حيث يمكن اعتبار المطر مظهراً من مظاهر الرحمة الإلهية فوقت نزوله يُعتبر من أوقات فتح أبواب الرحمة، فلذلك يزداد الأمل باستجابة الدعاء حینئذ. ...
  • ما هو النسناس و أي موجود هو؟
    48532 الکلام القدیم
    لقد عرف "النسناس" بتعاريف مختلفة و نظراً إلى ما في بعض الروايات، فهي موجودات كانت قبل خلقة آدم (ع). نعم، بناء على مجموعة أخرى من الروايات، هم مجموعة من البشر عدّوا من مصاديق النسناس بسبب كثرة ذنوبهم و تقوية الجانب الحيواني فيهم و إبتعادهم عن ...
  • هل يستر الله ذنوب عباده عن أبصار الآخرين يوم القيامة كما يستر عيوب و معاصي عباده في الدنيا، فيما لو ندم المرء عن ذنبه و تاب عنه؟
    39454 الکلام القدیم
    ما تؤكده علينا التعاليم الدينية دائماً أن الله "ستار العيوب"، أي يستر العيب و يخفيه عن أنظار الآخرين. و المراد من العيوب هنا الذنوب و الخطايا التي تصدر من العباد. روي عن النبي محمد (ص) أنه قال: " سألت الله أن يجعل حساب أمتي إليّ لئلا تفتضح ...
  • هل یجوز مشاهدة الافلام المهیجة (افلام السکس) للتعرف على کیفیة المقاربة الجنسیة لیلة الزفاف؟
    38865 الحقوق والاحکام
    لایوجد جواب الجمالی لهذا السؤال، النقر الجواب التفصیلی ...
  • ما هي آثار القناعة في الحياة و كيف نميز بينها و بين البخل في الحياة؟
    38658 العملیة
    القناعة في اللغة بمعنى الاكتفاء بالمقدار القليل من اللوازم و الاحتياجات و رضا الإنسان بنصيبه. و في الروايات أحيانا جاء لفظ القناعة تعبيرا عن مطلق الرضا. أما بالنسبة إلى الفرق بين القناعة و البخل نقول: إن محل القناعة، في الأخلاق الفردية، و هي ترتبط بالاستخدام المقتَصَد لإمكانات ...